نتعلم من الماضي ونخطط للمستقبل حان الوقت للتعلم من الطبيعة

Tue, 07/21/2020 - 12:37

sheikha-header-image

 

مقال رأي لسعادة د. شيخة سالم الظاهري، الأمين العام لهيئة البيئة – أبوظبي

منذ أيام قليلة، أتيحت لي الفرصة للتحدث إلى 200 من الشباب الإماراتي الواعد من خلال مبادرة مميزة ينظمها برنامج تواصل مع الطبيعة، والتي تشجع الشباب على "تخيل الحياة بعد كوفيد – 19". تتيح سلسلة "تخيل" فرص التعاون بين الشباب، وتعزز من تواصلهم مع صناع القرار، لقيادة التغيير وتحقيق التعافي البيئي لدولة الإمارات.

لقد كان اللقاء ذو طبيعة خاصة بالنسبة لي، فأنا أم لخمسة أبناء، وقد خضت هذا الحوار المتعمق مع شبابنا لتشجيعهم على المساهمة في وضع رؤية تفاؤلية لتعافي دولة الإمارات وكوكب الأرض بعد الأزمة الراهنة. جاءت المناقشة تحت عنوان " نتعلم من الماضي ونخطط للمستقبل"، حيث ركزنا على تحقيق التوازن بين الحياة العصرية والتقاليد الإماراتية الأصيلة، ودورنا في حماية الأنواع والنظم البيئية.

دورس من الحياة

بدأت علاقتي بالطبيعة في سن مبكرة، حيث كان والدي يحب الزراعة والنباتات، ولكنه كان يسعى جاهداً لاستخدام الموارد المتاحة بكفاءة. لقد كنت أتابعه وأتعلم منه هذا الدروس الحياتية الهامة، والتي قمت بتطبيقها في حياتي الشخصية والمهنية. ساهم ذلك في تشكيل شغفي البيئي وعزز من تواصلي مع الطبيعة. أفخر بنجاحي في نقل هذه القيم إلى أبنائي، وأتمنى أن يحملوها إلى أبنائهم وأحفادهم.

يُشكل الماضي جزءاً من هويتنا ويجب أن نحافظ على ما اكتسبناه. هناك الكثير من المعرفة والحكمة التي تتناقلها الأجيال التي كانت تعيش في تواصل مباشر مع الطبيعة، تلك الحكمة التي لا يستطيع الشباب أن يكتسبوها وحدهم. من الضروري التواصل مع الآباء والأجداد، لنفهم ونحترم عاداتهم وممارساتهم، ويجب أن نحمل هذه التقاليد والإرث لنستفيد منها ونحملها إلى الأجيال القادمة.

قيادة تقدر الطبيعة والإرث الثقافي

أنا سعيدة لأنني ولدت في بلد يقدر فيه قادته الثقافة والتقاليد بقدر ما يقدرون التنمية. إذا تعلمت شيئًا من والدي، فقد تعلمت الكثير أيضًا من والدنا المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. لم يكن مجرد صاحب رؤية ثاقبة فحسب، بل كان أيضًا عالمًا محباً للطبيعة ترك بصماته على هويتنا الوطنية والثقافية.

نفخر بتقاليدنا ونضمن حماية هذا التراث الثقافي غير المادي والحفاظ عليه للأجيال القادمة؛ من الصقارة إلى الصيد بالكلاب السلوقي وسباق الهجن وصيد اللؤلؤ - كل هذا جزء من تراثنا الطبيعي والثقافي. وبفضل جهود دولة الإمارات العربية المتحدة، تم الاعتراف بالصقارة على أنها تراث ثقافي غير ملموس من قبل اليونسكو في عام 2010.

تعد المياه من أثمن الموارد الطبيعية في منطقتنا من العالم. فنظام الري التقليدي المسمى "الأفلاج" في مدنية العين هو أحد أقدم نظم للري، حيث يعود إلى 3000 عام. اهتم الشيخ زايد بها بنفسه، بل وساعد في حفر بعضها عندما تم تجديد النظام في عام 1946. يُنسب جزء كبير من المساحات الخضراء في العين إلى أنظمة الأفلاج هذه، وهي واحدة من أفضل الأمثلة على تراثنا الطبيعي المرتبط بالحفاظ على المياه التي تعتبر أهم مواردنا الطبيعية.

تعتبر المعارف والممارسات التقليدية عناصر مهمة في نهجنا لمعالجة بعض القضايا البيئية الأكثر إلحاحًا محليًا، مثل الإفراط في استغلال المصايد والرعي الجائر. ونحن في هيئة البيئة - أبوظبي، بذلنا جهودًا متضافرة لجمع المعرفة التي يمتلكها الصيادون وأصحاب الأبل، لفهم تلك الروابط الهامة ودمجها مع فهمنا العلمي للقضايا البيئية

وقد صدر مؤخراً القانون رقم (11) لعام 2020 بشأن تنظيم الرعي في أبوظبي، والمحافظة على المناطق الطبيعية. بالإضافة إلى تنفيذ بنود هذا القانون، سنواصل العمل مع المجتمع المحلي وشركائنا لتشجيع أصحاب مزارع الإبل على العودة إلى ممارسات الرعي التقليدية التي ستسمح بالتجدد الطبيعي وتحقيق الرعي المستدام.

الماضي، هو جزء من هويتنا وعلينا أن نحاول حمايته. هناك معرفة واسعة وحكمة انتقلت من جيل إلى جيل نتيجة التواصل مع الطبيعة، والتي يجب مشاركتها ونقلها للأجيال القادمة.

حماية إرثنا الطبيعي

إذا كان قادتنا يتطلعون ويبذلون جهودًا حثيثة لحماية تراثنا الثقافي، فقد كان لهم دوراً فاعلاً أيضًا في تنفيذ مبادرات أدت إلى الحفاظ على تراثنا الطبيعي. وتعد قصة المها العربي من أفضل الأمثلة؛ فهذا النوع الذي تم صيده إلى أن وصل إلى حافة الانقراض، تم إعادة توطينه من خلال المبادرة الرائدة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، عندما أدرك برؤيته الثاقبة أن المها العربي تعرضت للصيد الجائر، وأن هذا النوع الفريد قد ينقرض للأبد، فأرسل زوج من هذا المها إلى الولايات المتحدة لبدء برنامج إكثار هذا الكائن الوديع. واليوم، هناك ما يقرب من 5000 من المها العربي في أبوظبي وحدها، بما في ذلك أكثر من 850 يتجولون بحرية في محمية المها العربي في أبوظبي.

قصة أخرى قريبة إلى قلبي هي إنشاء محمية الوثبة للأراضي الرطبة. فقد تكونت بحيرة الوثبة نتيجة لتدفق فائض مياه الصرف الصحي المعالجة من محطة المفرق فكونت بحيرات شكلت منطقة جاذبة للحياة الفطرية وأصبحت في فترة وجيزة مأوى لأنواع كثيرة من الطيور وبشكل خاص طيور الفلامنجو (النحام الكبير). وقد وجه المغفور له الشيخ زايد بحماية المنطقة التي تديرها الهيئة. واليوم، تعد المحمية الموقع الوحيد في الخليج العربي الذي تتكاثر فيه طيور الفلامنجو بانتظام، وتم الاعتراف بها عالميًا لتصبح أحد مواقع رامسار، بموجب اتفاقية رامسار كما أنها مدرجة على القائمة الخضراء للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة.

التواصل مع الطبيعة والثقافة

نحن نعيش في عالم مترابط وواحد من أفضل الطرق لرؤية ذلك الترابط هو أن يكون مع الطبيعة. يتيح لنا التواصل مع الطبيعة تقدير العلاقة المتبادلة، حيث يتفاعل كل كائن حي، بشكل مباشر أو غير مباشر مع عناصر أخرى من هذا النظام البيئي. لقد حان الوقت لكي نتعلم كيف نقدّر التوازن البيئي الدقيق ومراعاة أن الأنشطة البشرية غير المؤذية لا تعطله.

نحن في هيئة البيئة نحاول القيام بذلك - للحفاظ على هذا التوازن من خلال حماية جميع عناصر بيئتنا والسماح للجمهور بالتواصل مع الطبيعة. تحمي شبكتنا المكونة من 19 منطقة محمية المندرجة تحت شبكة زايد للمحميات الطبيعية بعض الأنواع الأكثر أهمية التي تتراوح من المها العربي والحبارى إلى أبقار البحر والسلاحف والطيور البحرية والشعاب المرجانية، وحتى أنواع الحشرات الصغيرة. كما تعتبر الشعاب المرجانية لدينا مختبراً حياً، وموقعاً هاماً للأبحاث المتعلقة بالتغير المناخي، وكيف يمكن للإجراءات التي يتخذها كل واحد منا في توفير الطاقة والموارد محليًا أن تعود بالفائدة على المناخ محلياً وعالمياً.

يمكننا في هيئة البيئة توفير جميع المعلومات والأدوات التي يحتاجها المرء للتعلم والتصرف فيما يتعلق بالبيئة، ولكن المساهمات الفردية مهمة بنفس القدر. في يوم من الأيام ستنتقل الراية من جيلنا إلى شباب اليوم. يتحمل الجيل الحالي وخاصة الشباب مسؤولية كبيرة للتعرف على طبيعتنا وثقافتنا وكيفية نقل هذه المعرفة إلى الجيل القادم. لديهم الذكاء وإمكانية الوصول إلى أحدث التقنيات، وأنا على ثقة من أنهم سيتحملون هذه المسؤولية بشكل جيد لأنفسهم ولأبنائهم ولأحفادهم.

لقد حان الوقت لنا جميعاً لنتواصل مع الطبيعة ومع إرثنا الثقافي، ولنتعلم كيف نحافظ عليه ونحميه للأجيال القادمة.